الدكتور قصي كرم يكتب للدانة نيوز: في تركيا.. كانت لي أيام (الجزء الثاني)

by Editor Pick

 

 

في عام 2013 قررت السفر الى تركيا وقد ترددت بادئ الأمر لكن بعد ذلك اتخذت قرار نهائيا بالسفر. وقبل الرحلة، جلست مع اسرتي وقدمت لهم باقة من الشروط التي تمنيت حينها ان يلبوها لي حين نصل الى البلاد المقصودة. وكانت اسرتي قد زارت مرات في السابق، وفي طبيعة الحال حينما تزور تركيا اول مرة، يتحتم عليك زيارة أهم المعالم والأماكن التاريخية بها مثل متحف آيا صوفيا والمسجد الأزرق الخ من المشاهد العظيمة. لكن للأسف فقد قامت أسرتي بزيارة كل تلك المعالم في السابق وسوف يتحتم زيارتها بمفردي. شعرت ببعض القلق لأنني كنت اجهل قوانين تلك البلاد وطبيعة شعبها لا سيما كيفية التعامل مع نفسيات الشعب التركي الذي يختلف عن نفسيات بقية الشعوب في المنطقة قاطبة. لكن عندما وصلنا  الى اسطنبول مدينة السلام وبالأخص منطقة سلطان أحمد التاريخية العريقة حيث يقع فندقنا والتي اعتبرها من اجمل ضواحي اسطنبول الأوروبية. وبمجرد دخول الفندق قررت فورا أن آخذ من مكتب الإستقبال الكتيب المصور الذي يحتوي على كل المعلومات عن المعالم السياحية القريبة من الفندق لأخطط لرحلة الغد لأزور احد تلك المعالم فاستندت الى تلك المعلومات بالاضافة الى ما قمت به من بحث شامل عن تلك البلاد.

 وفي طبيعية الحال كان من المخطط ان يتجه النساء صباح الغد الى البازار الكبير للتبضع حيث المئات من الدكاكين القديمة التي انشأت في عام 1455م بأمر من السلطان محمد الأول وقد تم توسعتها لتمتد في مدينة اسطنبول لتغطي مساحة ستون شارع من شوارعها. ولحسن الحظ كان والدي العزيز يشاركني عشقي للتاريخ ويكره التسوق، فقرر الذهاب معي رغم انه قد زار تلك الأماكن من قبل. كان والدي مرافقا سياحيا صبورا على بطئي في معاينة المعالم الأثرية وقراءة اللوحات التعريفية المعلقة بجانب كل معلم تاريخي محاولا ان اثقف نفسي عن كينونة هذا العبق التاريخي الأزلي.

لقد زرنا بادىء الأمر متحف آيا صوفيا والذي يعني “مكان الحكمة المقدسة”. كان كنيسة عظيمة فسيحة يغطي جدرانها من الخارج اللون البرتقالي الذي ذبل مع السنين. كانت هذه الكنيسة أكبر بناء في الشرق حينها بناها الإمبراطور جستينيان في عام 532م ثم حولها المسلمون الى جامع كبيرعند فتح القسطنطينة في عام 1453م لأنه حينما فتحوا المدينة لم يكن هناك جامع بها ليقيموا الصلاة فيه. ثم قام بعد ذلك الرئيس التركي مصطفى كمال أتاتورك في عام 1936م بتحويلها الى متحف قومي محولا ذلك الصرح الديني العريق الى معلم سياحي يرتاده ملايين السواح كل عام. لقد اصابني الذهول حين دخلت المتحف وابصرت روعة هندسته المعمارية وضخامة أعمدته المصنوعة من المرمر الحر حاملة قبته وسقفه. في السابق كانت جدرانه مرسوم عليها صور المسيح عليه السلام وامه مريم وبقية الحواريين وبعض القساوسة على طريقة رسومات الموزائيك، لكن عند الفتح الإسلامي تم طمسها وطلائها ولم يقم المسلمون بإزالتها احتراما لمشاعر المسيحيون، ثم تم تعليق لوحات ضخمة تحمل كل واحدة منها اسماء سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام وخلفاؤه الراشدين وصهريه الحسن والحسين مكتوبة بأحرف ذهبية رائعة. كما تم اضافة منبر الخطيب ومحراب الإمام في الداخل وتم تشييد اربعة مآذن اسطوانية في الخارج اعلانا بإبتداء تطبيق الشريعة الإسلامية.

وبعد ان اتنتهينا من زيارة المتحف قررنا انا ووالدي أخذ قسطا من الراحة وتناول شراب الرمان الذي يطلق عليه باللغة التركية “نار”. كان بالفعل شرابا طازجا منعشا للبدن ومفضلا عند الأتراك.

بعد ذلك ذهبنا الى المسجد الأزرق او كما يطلق عليه بأسمه الآخر مسجد السلطان أحمد. كان لون الحجارة التي بني منها رماديا مائلا الى اللون الأزرق وقد تم تشييد قببه الرائعة ومآذنه السته الكبيرة. كان جامع فسيحا من الداخل وقد اهتمت الهيئات المسؤولة عن المساجد والأضرحة الدينية في اسطنبول بالعناية به واشرفت على ترميم مناراته التي اهلكتها يد الزمن. لقد تم إنشاء هذا المعلم الهندسي الراقي ما بين عام 1609 الى عام 1616م بطلب من السلطان العثماني أحمد. كانت الحدائق الغناء والأشجار تحيط بفناء المسجد مضيفة إليه بهجة ورونقا كاسرا لون المسجد الرمادي. يزين المسجد من الداخل 20,000 قطعة سراميك ازرق تم نقلها بعناية من مدينة إزنيك مضيفة إلى روحانية المسجد غطاءا دافئا مفعما بالسكينة البحته والجمال. قد ابدع حقيقة محمد فاتح آغا مهندس ذلك الجامع كيف لا وهو تلميذ سنان باشا المعماري الشهير حين صاغ تلك اللوحة المعمارية الجميلة التي جمعت بين الفنون والزخارف الإسلامية والبيزنطية في بناء اصبح من اشهر معالم اسطنبول السياحية. 

 صليت ركعتين داخل الجامع ومكثت برهة من الزمن اسبح في الماضي واتخيل المسلمون العثمانيون كيف كانوا يقيمون الصلوات المكتوبة به، ثم ابصرت منبر الخطيب المصنوع من الرخام الخالص وكان تحفة فنية ابدع صانعها حق الإبداع. كان القائمون على أمن وقدسية المكان يمارسون نظام صارم بالأخص على الأجانب من الغير المسلمين حيث كانوا يجبرون نساؤهم على ارتداء الحجاب قبل دخولهم الى الجامع احتراما لقدسية المكان.

ثم ذهبنا إلى الساحة الملاصقة لجامع السلطان أحمد والتي يطلق عليها بالإغريقي الهيبودروم والذي يعني “طريق الخيول” التي كان البيزنطيون يقيمون بها سباقات عربات الخيول. وقد شيد في ذلك الميدان مسلات صخرية، كانت كالدبابيس الضخمة تكاد من طولها ان تخترق عنان السماء مثل المسلة الفرعونية والتي كان طولها 25 مترا قد تم حملها من مصر في عهد البيزنطيين الى القسطنطينية وتم نصبها في الميدان. كانت لها قاعدة حمراء من صخر الغارنيت البركاني الصلد ومؤرخ عليها بالأحرف الهيروغليفية انتصارات الفرعون المصري تحتموس الثالث.  ومررنا كذلك على معلم سياحي آخر هو عمود الأفعى والذي تم صنعة من معادن اسلحة جيوش الفرس بعد ان تم صهرها كذكرى خلدها الإغريق بتوحيد 31 مدينة إغريقية اثناء حربهم ضد الإمبراطورية الفارسية.

وفي اليوم التالي قررنا الذهاب إلى معلم توب كابي سراي والذي يعني “قصر باب المدفع” وشاهدنا لوحة راقية من الفن المعماري العثماني. كان قصرا عظيما للحكم خلال الامبراطورية البيزنطية ثم تم تعديله وعمل اضافات معمارية عليه خلال الحكم العثماني. وشاهدنا اين كان السلطان العثماني يقف ليوزع الرواتب على حاشيته. كما زرنا المتحف الملكي التي يتم به حفظ الهدايا المهادة من اباطرة وملوك العالم إلى السلاطين العثمانيين مثل الساعات والسيوف والصناديق المرصعة بالألماس والأحجار الكريمة. اضف الى ذلك الحجرات العديدة التي يتم بها المقتنيات الثمينة للسلاطيين العثمانيين واعضاء اسرتهم.

ان مستوى العمارة والآثار المعمارية في تركيا حقيقة يجعل النفس البشرية تفخر بإنجاز احد معماريها الأفذاذ مثل سنان آغا، باني جامع السليمانية في إسطنبول عام 1557م والذي قال عنه أستاذ تاريخ العمارة الألماني هـ.كلوك:” إن سنان يتفوق فنيا علي مايكل أنجلو صاحب أكبر اسم فني في الحضارة الأوروبية”. وكيف لا يقال عنه ذلك وكل أثر معماري في تركيا من أقواس وأعمدة وحجارة تحمل بين ذراتها جهده وعبقريته واسمه. نعم ذلك هو المعماري سنان الذي تم تغيير اسم اكاديمية الفنون في اسطنبول إلى جامعة معمار سنان للفنون الجميلة والذي كان له الفضل بتصميم العديد من الجوامع في كثير من عواصم العالم الإسلامي  مثل جامع السليمية بمنطقة أدرنة وجامع التكية السليمانية في دمشق.

عناوين أخرى قد تعجبك

Leave a Comment